ابن باجة
72
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
عليه كلّ ضرب من المفردة . وبمعرفة ما يدلّ عليه المفرد يعرف ما يدلّ عليه المركّب . وأعطى أنّ المقدّمات ثلاثة أجناس . وهذا يؤخذ أوّلا مقبولا ، فإذا ألفيت المعاني في النفس عند حصول كثير منها وتصفّحت ، ظهر ذلك وعلم أنّها ثلاثة لا غير ، اسم وكلمة وأداة . فالاسم يعطينا بدلالته معنى مفردا متصوّرا في النفس على حدته ، لا يلحظ معه الذهن شيئا ممّا شأنه أن يتعلّق به من زمان أو مكان أو موضوع ، إن كان له ، أو غيره . وهذا الجنس الذي هو الاسم متقدّم في النفس للكلمة والأداة ، وعنه تكونان ، فإنّ الكلمة تكون عنه متى أخذ في النفس معنى ما متقدّم وزمان محصّل وموضوع شأنه أن يوجد فيه . فإذا أخذ الذهن معنى من المعاني وأخذه في موضوع ، شأنه أن يوجد فيه ذلك المعنى ، وأخذ معه زمان محصّل يوجد فيه ذلك المعنى ، كان ذلك المعنى الذي تدلّ عليه الكلمة . فإذا أخذ الذهن في معنى الاسم أو في معنى الكلمة أو فيهما معا معنى لا يمكن ذلك المعنى أن يأخذه الذهن منفردا عنهما أو عن أحدهما ، كان هذا هو المعنى الذي تدلّ عليه الأداة ، وهو الذي يسمّى حرفا جاء لمعنى . فمعنى الاسم يتقدّم معنى الكلمة لأنّه لا يؤخذ معنى الكلمة إلّا في معنى ما من معاني الاسم . ومعنى الاسم يتقدّم معنى الأداة لأنّ معنى الأداة لا يؤخذ إلّا في معنى الاسم أو في معنى الكلمة المركّب من معنى الاسم . فمن الواجب أن نأخذ معنى الألفاظ المستعملة في الصنائع على ما أعطاها أبو نصر في الفصل الخامس على العموم ، ولا نتسامح بأن نقنع من تصوّر المعنى بأن يكون عندنا اسمه الدال عليه فقط ، دون ما يدلّ عليه حدّه . فهذا أنقص ما يتصوّر به المعنى ، وهذا كثير ، ولا سيّما فيمن يحفظ / الألفاظ من الكتب أو بالتلقين ، وليس من أهل لسان تلك الألفاظ ، مثل ما يفعله من لا يعلّم اللسان العربيّ ويقرأ علومه . فقصد هو بها أن تجري ألفاظ ذلك العلم على لسانه فقط . ولذلك نراهم يجهدون أنفسهم في الدرس ، حتّى ينطلق ذلك على ألسنتهم . فقد رأينا منهم من يدرس من مسائل الفقه ويحفظه وليس عنده علم شيء منها ، فهذا يقنع من العلم أن يقول عنده ألفاظه فقط . وإذا أخذ المتعلّم للصناعة نفسه بما أعطاه أبو نصر في الفصل الخامس من أخذ المعنى عن دلالات الألفاظ الثلاثة ، أمكنة تعلّم صناعة بقول .